الشيخ محمد علي طه الدرة
631
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
اسم جنس لكلّ ما يزرعه ابن آدم ، ويقتاته ، وأشهر ذلك البرّ ، فكثيرا ما يراد بالحبّ ، ومنه قول المتلمّس ، وهو الشاهد رقم [ 149 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ البسيط ] آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه * والحبّ يأكله في القرية السّوس وحبّة القلب : سويداؤه ، والحبّة بكسر الحاء : بذور البقول ما ليس بقوت ، والحبّة بضم الحاء : الحبّ والمحبّة ، يقال : نعم ، وحبّا ، وكرامة ، والحبّ بكسر الحاء : الحبيب . أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ أي : أخرجت ساقا تشعب منه سبع شعب في كلّ واحدة منها سنبلة ، وهذا مشاهد في الذّرة ، والدّخن ، وفي القمح في الأراضي الخصبة ، والسّنبلة ، والسّبلة بمعنى واحد . وأسند اللّه تعالى الإنبات إلى الحبّة ، لمّا كانت من الأسباب ، كما يسند إلى الأرض والماء ، والمنبت في الحقيقة هو اللّه تعالى ، فهو إسناد مجازي ، ويسمّى المجاز العقلي ، وفي الآية تشبيه مرسل مجمل لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه . وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ أي : يزيد على سبعمئة ، فيكون مثل المتصدّق مثل الزّارع ، إن كان حاذقا في عمله ، والبذر جيدا ، والأرض خصبة يكون الزّرع أكثر ، فكذلك المتصدّق إذا كان صالحا ، مخلصا ، والمال من حلال ، ووضعه عند المستحقّ ، فيصير الثواب أكثر ، والأجر أعظم ، وخذ ما يلي : فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب ، ولا يقبل اللّه إلّا الطّيّب ، فإنّ اللّه يقبلها بيمينه ، ثمّ يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدكم فلوّه حتّى تكون مثل الجبل » رواه الشيخان ، وقال تعالى في سورة ( النساء ) رقم [ 40 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً . وَاللَّهُ واسِعٌ : يسع خلقه كلهم بالكفاية والرزق والجود والعطاء ، وهو واسع الفضل والرحمة ، وقيل : واسع القدرة ، والعلم ، والرزق . وقيل : هو الغني الّذي وسع جميع مخلوقاته غناه . عَلِيمٌ : بأفعال عباده ، ما يغيب عنه منها شيء ، قال تعالى : وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً . تنبيه : استدل بهذه الآية على أن اتّخاذ الزرع من أجلّ الحرف التي يتخذها الناس ، والمكاسب التي يشتغل بها العمال ، ولذلك ضرب اللّه بها المثل لنفقة المؤمن في سبيل اللّه ، فقال جل ذكره : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ . . . إلخ ، وفي صحيح مسلم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا ، فيأكل منه طير أو بهيمة ، أو إنسان إلا كان له صدقة » والزراعة من فروض الكفاية ، فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها ، وما كان في معناها من غرس الأشجار ، حكي عن المعتضد العباسي : أنه قال : رأيت عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - في المنام ، فناولني المسحاة ، وقال : خذها فإنّها مفاتيح خزائن الأرض ، وروت عائشة - رضي اللّه عنها - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « التمسوا الرّزق في خبايا الأرض » .